بنيامين نتنياهو أكثر سياسي في تاريخ "إسرائيل" يجيد لعبة السياسة الداخلية من وجهة نظرنا، ويعشق لعبة الانتخابات ويديرها بنفسه، فهو إستراتيجي مميز بفهم العقل والمزاج اليهودي والإسرائيلي وصياغة التحالفات الانتخابية، لكنه في المقلب الآخر سياسي غدار ليس له أيّ علاقة بالأخلاق، وينقاد وراء مصلحته بصرف النظر عن أي تحالفات أو اتفاقات أو وعود، فهو يكذب كما يتنفّس. لذلك، بالنسبة إليه، إن حسابات تشكيل الائتلاف الحكومي تختلف بالمطلق عن حسابات تحالفات الانتخابات.

يدرك نتنياهو أن تركيب حكومة مستقرة يحتاج إلى الكثير من الضغوطات على كل اللاعبين السياسيين المباشرين وغير المباشرين، وإلى إقناعهم بتقديم تنازلات تخدم شكل الحكومة التي يريدها.

من جهة أخرى، يسعى لتشكيل حكومة بسرعة قبل أن تصل الأمور في موضوع محاكمته الجنائية إلى نقطة اللاعودة، لكي يتخذ قوانين تحميه على الأقل من مخاطر المحكمة.

أمام التحديات التي تواجه نتنياهو، فإنَّ تشكيل حكومة مستقرة ومسيطر عليها من قبل صاحب أكبر نجاح انتخابي منذ 5 جولات انتخابية يحتاج إلى الكثير من الجهد السياسي والحسابات الدقيقة، وهو يدرك أن أكبر مشكلة تواجهه الآن في تشكيل حكومة مستقرة بقيادته تتمثل بشركائه في معسكره الانتخابي، إذ إنه اعتمد في حملته الانتخابية على استراتيجية أنه زعيم معسكر كامل.

ومن أجل تعزيز معسكره، تدخل بقوة في الشؤون الداخلية للكتل الانتخابية المنضوية تحت معسكره. مثلاً، أدى دوراً قوياً في ائتلاف إيتمار بن غفير وبتسلال سيموترتش في كتلة واحدة "الصهيونية الدينية". ومن المؤكد أنه نجح في ذلك من خلال تقديم الوعود لهما بعد الانتخابات.

كما أن نتنياهو تدخل بقوة داخل الأحزاب الحريدية، وخصوصاً يهدوت هتوراة، لقطع الطريق على تحالف غانتس مع الحريديم، رغم قبول السياسي الحريدي موشيه غافني هذا الحلف، وهذا أيضاً تطلب إغراءات لقيادة الحريديم أكبر من المعتاد، وهو ما كان واضحاً من التسريبات التي صدرها الإعلام الإسرائيلي عن وعود بتمويل المدارس الحريدية الخارجة عن منظومة التعليم الرسمي.

أضف إلى ما سبق أن حصول بن غفير وحزب "شاس" الحريدي الشرقي على عدد مقاعد أكبر من المتوقع سيزيد مطالبتهم بامتيازات أكبر من المتوقع لدى نتنياهو وقادة حزب الليكود، وخصوصاً أنهم يدركون حاجته إليهم، الأمر الذي سيصطدم بالضغوطات الداخلية عليه من قادة حزب الليكود الذين يطالبون بتولي الوزارات السيادية، وخصوصاً يسرائيل كاتس ودودو امسالم وديفيد بيتان، الذين يعتبرون من أقرب الشخصيات الليكودية إلى نتنياهو.

ورغم أنّ القضية مرتبطة بالمنافسات الداخلية بين مجموعات الضغط داخل الليكود، لكن لا يمكن إغفال أنها جزء من التكتيك الحزبي لدى الليكود لخفض مطالب شركائهم في الائتلاف، وخصوصاً بن غفير وسيموتريتش.

لكن نتنياهو الساحر الأكثر قدرة على قراءة الذهنية والمزاج الإسرائيلي ومعرفة نزواته ورغباته، أمامه فرص مهمة لفكفكة تلك التحديات التي تقف أمام تشكيل الحكومة، أهمها:
أولاً، فكرة عدم تحالف بقية الأحزاب في المعارضة مع نتنياهو في تأليف الحكومة التي كان شعارها طوال الفترة السابقة "فقط لا نتنياهو"، انتهت مع رجوعه مرة أخرى وفوزه الكبير، الأمر الذي نعتقد أنه قد يجعله ينحو مناحي مختلفة من أجل تشكيل حكومة مستقرة، ويضرب بعرض الحائط وعوده لبن غفير بتشكيل حكومة يمين كاملة كاملة، إذ يمكن توسيع ائتلافه بإضافة حزب مثل المعسكر الرسمي بقيادة بيني غانتس وغادي أيزنكوت، أو أجزاء منه، أو حتى يائير لابيد نفسه، الأمر الذي سيريح نتنياهو من عدة نواحٍ، من بينها ألا يقع تحت ضغوطات بن غفير الحصرية، والأهم إبعاد تهمة التطرف الديني عن حكومته أمام الأميركيين والأوروبيين والإقليم.

ثانياً، قوة نتنياهو داخل حزب الليكود بشكل حاسم، فهو قبل أن يشكل معسكر حلفائه من خارج الليكود حسم الحزب لمصلحته وقضى على قوة الشخصيات التي كانت تتطلّع إلى خلافته وإبعاده عن قيادته بعد عدم تمكنه من تأليف الحكومة 2021، وأبرزهم نير بركات، وخصوصاً أن عودة الحزب إلى الحكم مجدداً تحسب لنتنياهو وإدارته العملية الانتخابية، وقبلها المساهمة في إسقاط حكومة نفتالي بينيت.

ثالثاً، الضغوط الأميركية على نتنياهو في ضوء احتمال تعيين بن غفير وزيراً للأمن الداخلي في الحكومة المقبلة. ورغم أن البعض يعتبرها من التحديات، ففي اعتقادنا إنَّ نتنياهو سيستثمرها في ترويض بن غفير من جهة وتقليص حجم طلباته من جهة أخرى؛ فرغم رغبة نتنياهو الكبيرة في عدم إبقاء بن غفير في المعارضة، لكي لا يصبح صداعاً مزمناً له، فإنه يفهم أنَّ هناك عدة كوابح للأخير، أهمها نظرية رئيس الوزراء السابق إريك شارون (ما نراه من هنا "المعارضة" ليس كما نراه من هناك "الحكم").

أضف إلى ذلك، وجود أرئييل درعي رئيس حزب شاس الذي سيؤدي دوراً كبيراً في تهدئة رغبات بن غفير في الحكومة المقبلة. لذلك، بدأ الأميركيون بالتواصل مع درعي باعتباره شخصية معتدلة وبراغماتية تساعد نتنياهو في ضبط تطرف كلّ من بن غفير وسيموتريتش وتخفيفه.

رابعاً، في حال فشل نتنياهو في تشكيل حكومة موسعة أو ترويض بن غفير في حكومة يمين كاملة، فإن لديه القدرة على مواجهة الضغط الأميركي من خلال إستراتيجية "ما باليد حيلة"، التي ستظهر عدم قدرته على تنفيذ كلّ طلبات الأميركيين بذريعة شركائه في الائتلاف والحفاظ على استقرار حكومته.

أضف إلى ذلك أن فوز الجمهوريين في الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، وهذا ما نتوقعه، سيمنحه مساحة مناورة كبيرة للتعامل مع إدارة بايدن حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة التي يمكن أن يحقق فيها دونالد ترامب ريمونتادا، كما فعل نتنياهو.