سيعقد المجلس المركزي للمنظمة اجتماعًا غير عادي يوم الأحد القادم، في ظل مرحلة تواجه فيها القضية الفلسطينية خطر التصفية بصورة أكبر من أي فترة سابقة، من خلال محاولة فرض الحل الإسرائيلي بالقوة، لا سيما بعد فشل المحاولات الأميركية لإقناع القيادة الفلسطينية به، ولذلك رُفِعَ سلاح التهديد بالمقاطعة، ووقف المساعدات للسلطة وللأونروا إذا لم تبلع القيادة الفلسطينية القرار الأميركي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، تصديقًا لوعدٍ كاذبٍ بأن الخطة الأميركية ستتضمن ما يرضي الفلسطينيين، مع أن هذا الأمر لا ينطلي على أحد عاقل، لأن الخطة التي تبدأ بإخراج القدس من طاولة التفاوض لن تنتهي إذا مُررت إلا بتصفية القضية بمختلف أبعادها.

على مختلف الفصائل، خصوصًا التي لا تزال خارج منظمة التحرير، المشاركة في الاجتماع رغم انعقاده في رام الله تحت سطوة الاحتلال، ما يحول دون مشاركة العديد من أعضائه، بمن فيهم الأمناء العامون وقيادات وازنة مقيمة في قطاع غزة أو في الشتات.

 ويمكن التقليل من سلبية عقده في الضفة المحتلة من خلال ربط مكان عقد الاجتماع بتقنية الفيديو كونفرنس مع غزة وبيروت، لأن عدم مشاركتهم ستفسر بأنها تساوق مع الإدارة الأميركية التي تشن هجومًا على القيادة الفلسطينية.

إن مسألة الفيديو كونفرنس في منتهى الأهمية، ويجب الإصرار عليها، حتى يكون الاجتماع بمستوى خطورة المرحلة، فإذا كان الخيار الأسوأ أن يعقد المركزي تحت براثن الاحتلال، والخيار الأفضل أن يعقد في الخارج؛ فإنّ الخيار الجيد أن يتم الجمع ما بين عقده بالداخل والخارج تمامًا كما كان يعقد المجلس التشريعي اجتماعاته عبر تقنية الفيديو كونفرنس بين رام الله وغزة.

وهنا، مهم القول بصراحة كاملة إن مقاطعة أي فصيل لاجتماع المركزي غير مفهومة في هذا التوقيت بالذات الذي اتخذ فيه الرئيس أبو مازن موقفًا رافضًا للقرار الأميركي، لدرجة رفض الاجتماع بنائب الرئيس الأميركي، ورفض استمرار أميركا كوسيط لعملية السلام، ودعم التحرك الشعبي والديبلوماسي على امتداد العالم لكسر القرار الأميركي.

إن المشاركة وحدها في الاجتماع لا تكفي، بل إنها خطوة ستبقى ناقصة، وستجعل المشاركين أشبه بشهود الزُّور لمسرحية معدة سلفًا تقدم عرضًا يكرر العروض السابقة، أو تشبهها تمامًا. وإذا جاء انعقاده استجابة لدعوة القيادة للتغطية على قرارات متخذة سابقًا أدنى من السقف المطلوب، ومن دون إتاحة الفرصة لدور فاعل للمجلس وللقوى، خصوصًا غير المنضوية في المنظمة، فإنه في أحسن الأحوال سيكرر ما جاء في دورته السابقة في آذار 2015، حيث اتخذت قرارات جيدة ولكنها بقيت حبرًا على ورق، ما أفقد المجلس ما تبقى له من هيبة واحترام.

تأسيسًا على ما تقدم، لا بد من إشراك جميع المدعوين بالتحضير الجدي للاجتماع؛ حتى يتخذ قرارات مصيرية تعبر عن المصلحة الوطنية وتحظى بالإجماع الوطني، وهذا لم يحدث حتى الآن رغم أنه تفصلنا أيام قليلة على انعقاد، إذ من غير الواضح مشاركة بعض الفصائل من عدمها، وإذا شاركت ستكون مشاركتها رمزية، كما لم يبت في كيفية المشاركة، هل من خلال المشاركة في رام الله أم عبر الربط الإلكتروني.

إن الذي يعطي أهمية مضاعفة لما سبق أن ردة فعل القيادة على الخطوة الأميركية وما تحمله من تحديات راهنة وقادمة مهمة ولكنها لا تكفي، بل يجب البناء عليها لإحباط مخطط تصفية القضية. فالمطلوب رد إستراتيجي لا يُبقي الأوهام على ما تسمى "عملية سلام" التي تعيش في غرفة العناية المشددة منذ زمن طويل، وأطلق عليها ترامب رصاصة الرحمة، ويتم إخراجها من العناية المشددة بين الفترة والأخرى لضمان استمرار تعلق الفلسطينيين والعرب بأوهام التوصل إلى السلام عبر المفاوضات، من خلال الرهان على الرعاية الأميركية.

وهنا يجدر القول إن الخلل لا يكمن فقط في الرعاية الأميركية لها، فهي عملية مختلة، بحيث إن البحث عن راعٍ أو رعاةٍ جدد لن ينفع، لأن أي رعاية بحاجة إلى موافقة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، ولأن الرعاة الجدد المفترضين أبلغوا القيادة الفلسطينية من خلال اتصالاتها بهم بأنه لا بديل عن الراعي الأميركي.

لذا، المطلوب العمل من أجل مسار جديد وعملية سياسية جديدة في إطار الأمم المتحدة، من خلال مؤتمر دولي مستمر وكامل الصلاحيات، وتكون مرجعيته القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، ومثل هذه العملية متعذر انطلاقها في الوقت الراهن، بل بحاجة إلى كفاح متعدد الأشكال يهدف أولًا إلى إحباط مخطط تصفية القضية الفلسطينية - وهذا هدف ممكن التحقيق - والحفاظ على القضية حية، وتوفير مقومات الصمود والمقاومة والبقاء للشعب الفلسطيني على أرض وطنه. وهذا يتطلب إعطاء الأولوية لإنقاذ الوحدة على أساس إحياء المشروع الوطني الذي غاب منذ فترة طويلة، وتحديدًا منذ توقيع اتفاق أوسلو، الذي يطل برأسه بقوة حاليًا بعد انضمام الولايات المتحدة الأميركية لإسرائيل بالقضاء على اتفاق أوسلو، والانتقال من الانحياز التاريخي لها إلى لعب دور الشريك الكامل للاحتلال.

من المستغرب والمقلق جدًا أن الفترة ما بعد قرار ترامب لم تشهد أي جهود حقيقية لإنجاز الوحدة، بل جرى تجميد المصالحة عمليًّا التي حُشرت في دوامة تمكين الحكومة القائمة، مع أن الحاجة الملحة تقتضي تشكيل حكومة وحدة وطنية فاعلة في سياق إعادة النظر فعلًا في شكل السلطة ووظائفها والتزاماتها لتصبح أداة في خدمة البرنامج الوطني، وتتحرر من التزامات أوسلو، وتتصرف على أساس تجسيد دولة فلسطين باعتبارها أحد الحقوق الفلسطينية المعترف به دوليًا، إذ يجب ألا تطرح للتفاوض، بل تفرض من خلال عملية نضالية تستهدف أساسًا تغيير موازين القوى حتى تسمح بذلك.

 

ومن المستغرب كذلك مطالبة الدول العربية بقطع علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية في الوقت الذي لم تسحب فيه منظمة التحرير الاعتراف بإسرائيل، ولم تقطع علاقاتها بالإدارة الأميركية بدليل أن مكتب المنظمة لا يزال يعمل في واشنطن. وإذا أردت أن يأخذك الآخرون على محمل الجد عليك أن تكون جادًا في أن تعمل أولًا ما تطالب الآخرين بعمله.

مطلوب من اجتماع المركزي أن يكون بداية لتحقيق وحدة وطنية حقيقية شاملة في المنظمة والسلطة/الدولة، على أسس وطنية وتعددية تشاركية بعيدًا عن الهيمنة والتفرد والإقصاء، وعلى أساس برنامج وطني يجسد القواسم المشتركة بعد أن أصبح التوصل إليه أسهل في ظل انحسار مساحة الخلافات بعد أن أنهى ترامب على ما تبقى من "عملية السلام"، وبعد أن وصلت محاولات حل القضية عبر إقامة دولة في غزة سواء كحل نهائي أو كإنجاز مرحلي إلى الفشل.

كما مطلوب من الاجتماع ألا يكون منبرًا للخطابة والمزايدات والمناقصات، بل أن يصدر قرارات قادرة على مواجهة التحديات والمخاطر وتوظيف الفرص، وقابلة للتنفيذ حتى لا تبقى حبرًا على ورق.  ولتحقيق ذلك لا بد من أن يكون أول قراراته دعوة الإطار القيادي المؤقت للانعقاد، وإذا كان هذا الأمر مرفوضًا من الرئيس وحركة فتح، لأن على "حماس" أن توفر متطلبات المشاركة في المنظمة قبل ذلك، فإن البديل لا يجب أن يكون بقاء وضع الانقسام على حاله، أو الاستمرار في عملية مصالحة من دون مصالحة، وإنما من خلال الدعوة لاجتماع قيادي بمشاركة مختلف ألوان الطيف السياسي، يتولى التحضير لعقد المجلس الوطني التوحيدي بتركيبته الجديدة الرشيقة التي تضم 350 عضوًا كحد أقصى وفق توصيات اللجنة المشكلة سابقًا، ويتم فيه تمثيل مختلف التجمعات الفلسطينية على أسس تضمن أوسع تمثيل.

هل الآمال الكبيرة بأن تكون نتائج اجتماع المجلس المركزي بمستوى طموحات وآمال الشعب الفلسطيني وخطورة التحديات التي تواجهه قابلة للتحقيق بصورة مؤكدة؟ لا طبعًا، ولكنها غير مستحيلة، ولا مفر من عمل كل ما يمكن لتحقيق ذلك من خلال وضع القوى والقيادات أمام مسؤولياتها، خصوصًا أن البديل منها لم يولد بعد، وانهيارها ليس بالضرورة أن يسرع في ولادته، بل يمكن أن يدخلنا في سنوات جديدة من التيه والضياع، ولكنه من المؤكد في النهاية أنه سيولد، لأن الشعب الفلسطيني المؤمن بحقه وقضيته العادلة والمستعد لمواصلة الكفاح لتجسيدها - كما أثبت طوال مائة عام - قادر على تفجير موجة جديدة من الكفاح حتى ينتصر مهما طال الزمن وغلت التضحيات.